صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

373

شرح أصول الكافي

وبان البرهان قائم على حدوث النفس بحدوث البدن ، لم يفهموا قصده ولم يدركوا شأوه ، وزعموا ان مراده من كون هذه النفوس موجودة قبل التعلق بهذا الأبدان انها هي بما هي نفوس كانت موجودة هناك ، ولم يعلموا ان لها هناك كينونة أخرى وان لها أطوار ونشئات كثيرة ، فالكون في عالم الأسماء نشأة وطور والكون في عالم القضاء نشأة أخرى ، والكون في عالم القدر طور آخر وكذا كونها نطفة في صلب الأب الجسماني وعلقة ومضغة وجنينا في رحم الام الجسمانية ، ثم في الدنيا من حد الطفولية إلى حد الموت أطوار مختلفة ، وكذلك بعد الموت تحشر من صورة إلى صورة ونشأة إلى نشأة إلى ما لا يعلم عددها الا اللّه ، قال : وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ « 1 » . إذا علمت هذا فلنرجع إلى معنى الآية فنقول : قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ « 2 » ، أراد بهم النفوس الادمية عند كونهم في أصلاب آبائهم العقلية ومعادنهم الأصلية ، وقد سبق انها أنواع مختلفة ، وقوله : مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ « 2 » ، اي شاهدهم « 3 » وهم رقائق في تلك الحقائق ، وعبر عن تلك الاباء بالظهور جمع الظهر ، لان كل واحد منهم ظهرا ومظهر لطائفة من هذه النفوس أو ظاهر عنده لكونه صورة عقلية نورية ظاهرة بذاتها ، واشهدهم على أنفسهم « 2 » ، اي أعطاهم في هذه النشأة الادراكية العقلية شهود ذواتهم العقلية وهوياتهم النورية ، فكانوا بتلك القوى العقلية يسمعون خطاب : الست بربكم ، كما يسمعون الخطاب في دار الدنيا بهذه القوى البدنية ، وقالوا بالسنة تلك العقول : بلى ! أنت ربنا الذي أعطيتنا وجودا قدسيا ربانيا سمعنا كلامك وأجبنا خطابك . واعلم أن المستمعون منهم على ثلاثة طبقات حسب مراتب مباديهم العقلية قربا وبعدا من اللّه : السابقون وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ، ولكل طبقة سمع وابصار وأفئدة ، اما السابقون المقربون : فلما قال لهم : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ « 2 » ، فبالسمع المنور بنور يحبهم ويحبونه « 4 » ، سمعوا خطابه وبالابصار المنورة شاهدوا جماله وبالقلوب المنورة أحبوا لقائه ، فأجابوه بلسان المحبة والشوق وحقا وصدقا وعبودية ورقا .

--> ( 1 ) - الواقعة 61 . ( 2 ) - الأعراف 172 . ( 3 ) - اي : شاهد الحق . ( 4 ) - المائدة 54 .